الشيخ محمد هادي معرفة
46
تلخيص التمهيد
خفية واتّفاقات إلهية ، بدلالة أنّ الواحد يؤثر حرفة من الحِرَف فينشرح صدره بملابستها وتطيعه قواه في مزاولتها ، فيقبلها باتّساع قلب ، ويتعاطاها بانشراح صدر ، وقد تضمّن ذلك قوله تعالى : « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » « 1 » وقول النّبيّ صلى الله عليه وآله : اعملوا فكلّ ميسّر لما خُلق له « 2 » . فلما رُئي أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كلّ وادٍ من المعاني بسلاطة ألسنتهم ، وقد دعا اللَّه جماعتهم إلى معارضة القرآن ، وعجزهم عن الإتيان بمثله ، وليس تهتزّ غرائزهم البتة للتصدّي لمعارضته ، لم يخف على ذي لبّ أنّ صارفاً إلهياً يصرفهم عن ذلك . وأيّ إعجاز أعظم من أن تكون كافّة البلغاء مخيّرة في الظاهر أن يعارضوه ، ومجبرة في الباطن عن ذلك . وما أليقهم بإنشاد ما قال أبو تمام : فإنْ نكُ أُهمِلنا فَأضعِف بِسَعينا * وإن نَكُ أُجبِرنا فَفيمَ نُتَعتِع واللَّه وليّ التوفيق والعصمة « 3 » . 6 - رأي الإمام الرازي وهو أبو عبد اللَّه محمّد بن عمر بن حسين فخر الدين الرازي ( توفّي سنة 606 ه ) - المفسّر المتكلّم الأُصولي الكبير . قال : اعلم أنّ كونه ( القرآن ) معجزاً يمكن بيانه من طريقين : ( الأوّل ) أن يقال : إنّ هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة : إمّا أن يكون مساوياً لسائر كلام الفصحاء ، أو زائداً على سائر كلام الفصحاء بقدرٍ لا ينقض العادة ، أو زائداً عليه بقدرٍ ينقض . والقسمان الأوّلان باطلان فتعيّن الثالث . وإنّما قلنا : إنّهما باطلان ، لأنّه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إمّا
--> ( 1 ) . المائدة : 48 . ( 2 ) . مسند أحمد : ج 4 ص 67 . ( 3 ) . عن مقدّمته على التفسير : 104 - 109 .